الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني
232
موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان
فإذا فارق وطنه ودخل البادية وشهد تلك العقبات ، فليتذكر بذلك خروجه من الدنيا بالموت إلى ميقات القيامة وما بينهما من الأهوال . ومن ذلك : أن يتذكر وقت إحرامه وتجرده من ثيابه ، إذا لبس المحرم الإحرام لبس كفنه ، وأنه سيلقي ربه على زي مخالف لزي أهل الدنيا . وإذ لبى ، فليستحضر بتلبيته إجابة اللَّه تعالى إذ قال : ( وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ ) « 1 » ، وليرج القبول وليخش عدم الإجابة . وكذلك إذا وصل إلى الحرم ، ينبغي أن يرجو الأمن من العقوبة ، وأن يخشى أن لا يكون من أهل القرب ، غير أنه ينبغي أن يكون الرجاء غالباً ، لأن الكرم عميم ، وحق الزائر مرعي ، وذمام المستجير لا يضيع . ومن ذلك : إذا رأى البيت الحرام استحضر عظمته في قلبه ، وشكر اللَّه تعالى على تبليغه رتبة الوافدين إليه . وليستشعر عظمة الطواف به ، فإنه صلاة . ويعتقد عند استلام الحجر أنه مبايع لله على طاعته ، ويضم إلى ذلك عزيمته على الوفاء بالبيعة . وليتذكر بالتعلق بأستار الكعبة ، والالتصاق بالملتزم : لجأ المذنب إلى سيده ، وقرب المحب . . . ومن ذلك : إذا سعى بين الصفا والمروة ، ينبغي أن يمثلها بكفتي الميزان ، وتردده بينهما في عرصات القيامة ، أو تردد العبد إلى باب دار الملك ، إظهاراً لخلوص خدمته ، ورجاء الملاحظة بعين رحمته ، وطمعاً في قضاء حاجته . وأما الوقوف بعرفة : فاذكر بما ترى فيه من ازدحام الخلق ، وارتفاع أصواتهم واختلاف لغاتهم موقف القيامة ، واجتماع الأمم في ذلك الموطن ، واستشفاعهم . فإذا رميت الجمار : فاقصد بذلك الانقياد للأمر ، وإظهار الرق والعبودية ، ومجرد
--> ( 1 ) الحج : 27 .